الشيخ عبد الغني النابلسي

205

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

وعلى الحقيقة فأمر المشيئة إنّما يتوجّه على إيجاد عين الفعل لا على من ظهر على يديه ، فيستحيل أن لا يكون ؛ ولكن في هذا المحلّ الخاصّ . فوقتا يسمّى به مخالفة لأمر اللّه ، ووقتا يسمّى موافقة وطاعة لأمر اللّه ، ويتبعه لسان الحمد والذّم على حسب ما يكون . ولمّا كان الأمر في نفسه على ما قرّرناه لذلك كان مآل الخلق إلى السّعادة على اختلاف أنواعها . فعبّر عن هذا المقام بأنّ الرّحمة وسعت كلّ شيء ، وأنّها سبقت الغضب الإلهيّ . فما خالف اللّه تعالى أحد قط في جميع ما يفعله سبحانه من حيث أمر المشيئة الإلهية النافذة الحكم في كل شيء فوقعت المخالفة ممن وقعت منه من حيث أمر الواسطة وهو الأمر التكليفي في الشرع المقرر لا غير فافهم يا أيها السالك وعلى الحقيقة فأمر المشيئة الإلهية إنما يتوجه من الحق تعالى على إيجاد عين الفعل وهو العمل الصادر من المكلف المسمى خيرا أو شرا . قال تعالى : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ( 96 ) [ الصافات : 96 ] ، أي وخلق عملكم ، والخلق هو توجه المشيئة الإلهية لا يتوجه على من ظهر ذلك الفعل على يده إلا في حال تكوينه بأمر المشيئة الإلهية مثل تكوين فعله فيستحيل حينئذ عقلا وشرعا أن لا يكون ، أي لا يوجد ذلك الفعل الذي توجه عليه أمر المشيئة الإلهية ولكن في هذا المحل الخاص وهو العبد الفلاني من المكلفين . فوقتا يسمى ، أي ذلك الفعل تسمية كائنة به ، أي بأمر المشيئة الإلهية مخالفة لأمر اللّه تعالى ووقتا آخر يسمى ذلك الفعل موافقة وطاعة لأمر اللّه تعالى . وهذه التسمية واردة في الشرع المقرر ويتبعه ، أي ذلك الفعل في الشرع لسان الحمد في تسميته موافقة وطاعة أو لسان الذم في تسميته مخالفة ومعصية على حسب ما يكون ذلك الفعل من المكلف ولما كان الأمر الإلهي والشأن الرباني في نفسه على ما قدرناه من أن أمر المشيئة لا يخالفه شيء أصلا ، فلم يخالف اللّه أحد قط في جميع ما يفعله من حيث أمر المشيئة الإلهية ، وإن خالفوه من حيث أمره الشرعي الذي كلفهم به على ألسنة الوسائط . لذلك ، أي لما ذكر كان مآل ، أي مرجع الخلق ، أي المخلوقين كلهم إلى السعادة الأبدية على حسب اختلاف أنواعها ، أي السعادة فعبر بالبناء